منظمة الصحة العالمية | تخطيط قدرات المستشفيات: من قياس القدرة الاستيعا

جستجو

منظمة الصحة العالمية | تخطيط قدرات المستشفيات: من قياس القدرة الاستيعا

  • 2781

تخطيط قدرات المستشفيات: من قياس القدرة الاستيعابية إلى سريان النماذج المثالية

Bernd Rechel a, Stephen Wright b, James Barlow c & Martin McKee a

a. European Observatory on Health Systems and Policies, London School of Hygiene and Tropical Medicine, 15–17 Tavistock Place, London, WC1H 9SH, England.
b. European Centre for Health Assets and Architecture, Utrecht, Netherlands.
c. Health and Care Infrastructure Research and Innovation Centre, Imperial College Business School, London, England.

المراسلة مع بيرند راشيل (البريد الإلكتروني: Bernd.Rechel@lshtm.ac.uk).

(تقديم البحث: 15 تشرين الأول/أكتوبر 2009 – استلام النسخة المدقَّقة: 19 كانون الأول/ ديسمبر 2009 – القبول: 5 كانون الثّاني/ يناير 2010)

نشرة منظمة الصحة العالمية 2010;88:632-636. doi : 10.2471/BLT.09.073361

المقدمة

بالرغم من الاستناد المطّرد لدَخْل خدمات المستشفيات في العديد من البلدان المتطورة إلى قياسات الفعالية مثل المجموعات المرتبطة بالتشخيص، تبقى الغلبة في تخطيط سعة المستشفيات لـ "أعداد الأسرّة".(1) لقد أظهرت مراجعةٌ للممارسة الدولية أن سعة الأسرّة لا تزال الوحدة المفضَّلَة لتخطيط الرعاية المشفوية في ألمانيا وإيطاليا وفنلندا ونيوزيلندا وأكثر المقاطعات الكندية، ومن بين البلدان التي تضمّنتها المراجعة، كانت إنكلترا وفرنسا فقط هما اللتان تتحرّكان نحو تخطيطٍ مستندٍ إلى حجم الخدمة وفعاليتها.(2-3) وتبقى الغلبة في تخطيط سعة المستشفى لإشغال الأسرّة ونسبة عدد الأسرّة إلى السكان.(4-6)

ترتبط هذه المقاربة بعدّة مشاكل أكثرها أهميةً أنّه لا عدد الأسرّة ولا إشغالها يقدّم قياساً جيداً للخدمات المقدمة داخل المستشفيات بسبب الاختلاف الواسع في تنوع حالات شاغلي الأسرّة، وبالتالي تكاليف علاجهم،(4) ولا هما مناسبان أيضاً للتنبّؤ بمتطلبات المستقبل.(7) ويشير هذا القياس ضمناً إلى أنّ السرير هو الجزء الرئيسي لأسهم رأس المال في المستشفى، مُمركزاً أداء الأصول الأخرى حوله. إنّ النزعة المشاهدة في العالم كله تقريباً نحو تزايد أعداد الحالات النهارية وتقصير مدة المكث في المستشفى تنقص أكثر من مصدوقية الأسرّة كمقياسٍ للسعة، كما إنّ استخدام "أعداد الأسرّة" المستمر يخفق في دراسة مبادلات الاستثمار في الأنواع المختلفة من الرأسمال الصحي وتكاملاته. وهكذا، وبينما يتصف عدد الأسرّة بأنه أسلوب مريح، لكونه واحداً من بضعة مَناسب لسعة المستشفى تُجمع روتينياً، هناك اعتراف متزايد بالمُحدّدات الجوهرية لهذا القياس.

لا تشكّلُ المجموعات المرتبطة بالتشخيص منهجيةً مناسبةً لتخطيط السعة أيضاً، فهي ببساطة طريقةٌ لتصنيف القبولات، مشتقّةٌ من بيانات حساب التكاليف الصغرية الاستعادية، وتدمج التشخيص مع أيٍّ من التدخّلات،(8) وهذا يعني إمكانية استخدامها لحساب الأسعار لكنّها لن تفيد بأية معلومات عن مزيج الموارد المطلوبة.(9)

يبدو أن هناك حاجة واضحة لاستخدام قياسات عددية أخرى، وهذا ما يحدث في بعض الأماكن، وإن كان توثيق هذه العملية حتى الآن ضعيفاً. تستجيب هذه الورقة العلمية لدعوةٍ للتركيز على سُبُل الرعاية عند تصميم مرافق الرعاية الصّحيّة وبنائها،(10) فنراجع الأساس المنطقي للمقاربات الجديدة لتخطيط سعة المستشفى ونصف بعض تجارب المقاربات البديلة من خلال البناء على أفكارٍ قدّمَتْها دراسة حديثة عن استثمار رأس المال الصحي في أوروبا وأجراها المرصدُ الأوروبيّ للنّظم والسياسات الصّحيّة مع الشبكة الأوروبية للملكية الصّحيّة.(11-12) تضمّن المشروع مراجعةً للنشريات حول مواضيع رئيسة، من بينها تخطيط السعة وكيفية ترجمة الخدمات إلى أصول، وتحليلاً لسلسلةٍ من دراسات الحالة من مختلف أنحاء أوروبا تضمّنت مستشفى كوكسا في فنلندا ومجموعة رون كلينيكوم في ألمانيا ومستشفَيَيْ أوربيس وغرونينغن في هولندا ومستشفى تروندهايم في النرويج ومستشفى يوحنا بولص الثاني في بولندا ووكالة ألسيرا Alzira في إسبانيا ومستشفى كارولينسكا في السويد، بالإضافة إلى التخطيط الإقليمي في توسكاني (إيطاليا) وأيرلندا الشّمالية.

الحاجة للابتكار

يدور التصميم التقليدي للمستشفيات حول التخصّصات والأقسام وليس حول حاجات المرضى، وغالباً ما يقضي المرضى معظم وقتهم في المستشفيات ينتظرون شيئاً ما، وتُخصَّص مساحاتٌ كبيرة لهذا الخمول. وغالباً ما يتفاقم الوضع بالإدارة غير الكفوءة للإدخال إلى المشفى والتخريج منها، فقد تكون مدة إقامة المريض المقبول في المشفى ليلة الجمعة في المملكة المتّحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا الشّمالية أطول من إقامة المريض المقبول يوم الثلاثاء بنسبة 25%.(13) وللتكيف مع هذه الظاهرة أصبحت الأسرّة والأجنحة عملياً محطات لانتظار "العمل الجاري"، وقد خُطّطَ لها في الماضي وفقاً لذلك، وكانت إحدى النتائج أنّ تدفّق المرضى في العديد من المستشفيات كان غير فعّال ومشوَّش وغير منظَّم.(14) يخلّ هذا التدفّق السيء برضا العاملين والمرضى والاستخدام الفعّال للموارد.(13) كما إنه يعرّض جودة رعاية المريض وسلامته للخطر إذ توجد بيّنات على الحصائل الأسوأ التي يجنيها المرضى المُدخَلون إلى المشفى في عطلة نهاية الإسبوع،(15-16) بالرغم من أن هذا ليس حتمياً إذا ما كانت الخدمات منظّمةً بشكل ملائم.(17-19) لقد جعلت عدّة عوامل، ومنها التعقيد المتزايد للمعالجة وعدم الرغبة في رؤية عملية الرعاية من منظور المريض، جعلت هذا الوضع غير مقبول مما أدى إلى ظهور الطلب على نماذج للرعاية تستند إلى المتلازمات وعمليات الرعاية وسُبُل المرضى.

سُبُل الرعاية

تشير اعتبارات الجودة والكفاءة كليهما إلى الحاجة لتنظيم العمليات حيث أمكن ذلك،(20) والأكثر أهمية خصوصاً في هذا السياق هي سُبُل الرعاية التي يتمركز أساسها في مفهوم التدفق عبر النظام الكامل،(21) والتي بدأت تتمظهر كمفهوم في ثمانينيات القرن العشرين مستندةً إلى الاعتراف بتماثل طلبات العديد من المرضى في العديد من الشكاوى. وبالرغم من تعريف سُبُل المرضى بطرائق مختلفة(22) والجدل حول المجال المتضمّن في كل سبيل، فإنها جميعها تسعى إلى وصف المضمومات المثالية لمتلازمات معيّنة، وتضمّ في الحالة المثالية مُدخلاتٍ وحصائلَ قابلة للقياس. ومن المهم في هذا السياق الاعتراف بأنّ تلك العمليات لا تتوقّف عند باب المستشفى، فالرعاية ليست حدثاً معزولاً، بل هي عادةً حدثٌ قصيرٌ من ضمن رحلة المريض الأطول. وتستطيع السُّبُل المتكاملة التي وضعتها الفرق متعددة التخصصات والتي تخطط للرعاية قبل المستشفى وبعدها إعلامَ الاستراتيجيات التي تتفادى الاستشفاء غير الضروري.(23-24)

يبدو أنّ سُبُلَ الرعاية توفّرُ قاعدةً لاستخدام الطلب على الرعاية الصّحيّة، المشتقّ من معطيات ديموغرافية ووبائية، لتخطيط استثمار رأس المال في القطاع الصحي. لقد تم تصميم مستشفيات جديدة في ثلاثة من دراسات الحالة التي أخذناها (كوكسا ورون كلينيكوم وأوربيس) بشكلٍ يتمحور حول سُبُل الرعاية مع توجيه انتباهٍ خاص نحو تنظيم عمليات العمل. والمثير للانتباه هو أنّ هذه المستشفيات تعملُ في بيئات السوق التنافسية، وبذلك فقد أُجبرت على إعطاء المزيد من الانتباه للاستدامة والأداء، حتى وإن كان هذا يعني تكاليف أعلى لرأس المال الابتدائي.

دروس من إعادة هندسة سلسلة الإمداد

بالإضافة إلى استخدام سُبُل الرعاية، فقد زوّدَ "التفكير المقتصد" وبحوث العمليات بأفكار مهمة حول الكيفية التي يجب أن يتحسن فيها تخطيط سعة المستشفى. وبينما تم التركيز كثيراً على إعادة هندسة العمليات الداخلية، فقد تم أيضاً تضمين أشكالٍ مختلفة من فهم السعة ذات الصلة بتخطيط المستشفيات.

يرتبط مفهوم التفكير المقتصد في أغلب الأحيان بالتصنيع الياباني، إذ ابتكرته شركة تويوتا للمحرّكات في خمسينيات القرن العشرين،(25) وقد استُخدمت مبادئُ هذا التفكير على نحو متزايد في شركات التصنيع لدرجة أنّها أصبحت الآن عالميةً بالفعل في صناعة السيارات.(20) كما تم تطبيقها في صناعات الخدمات، بما في ذلك النقل الجوي، حيث توجد بعض التشابهات مع الرعاية الصّحيّة من حيث طبيعة الخدمة المعنوية والعابرة.

هناك عدّة دروس من التفكير المقتصد ذات صلة بالرعاية الصّحيّة، فالمبدأ الرئيس هو أن كلّ خطوة من خطوات الإنتاج يجب أن تنتج "قيمةً" ما للزبون، ووجوب التخلص من مصادر "التبديد". ومفهوم "التبديد" بعيد المدى، ويتضمّن الجرد غير الضروريّ والانتظار والأخطاء التي يمكن تجنبها وإعادة القبول غير المخطّطة والإجراءات أو العمليات غير الملائمة.(13-20-26) وربّما يكون المفهوم الاقتصادي لعملية "السحب"، حيث لا يبدأ شيء ما حتى يريده الزبون، ذا صلة أيضاً عندما يتضمن إيتاء الرعاية عمليةً يمكن التنبّؤ بها.

هناك مفهوم آخر وثيق الصلة أتى من بحوث العمليات، ألا وهو "نظرية الطوابير"، ويهدف هذا المفهوم إلى تحسين كفاءة العمليات من خلال استهداف الاختناقات التي تسبّب حدوث الطوابير. وأحد أسباب الاختناقات في المستشفيات هو الأقسام ذات الاستقلال نصف الذاتي التي تريد تحسين وظيفيتها دون اعتبار كيفية تأثير ذلك على أداء الآخرين.(27) إلا إنّ مثل هذه الاختناقات ليست مُستعرفةً دائماً، وهذا ما يؤدّي إلى تأخيرات مديدة للمرضى.(28) وأما أشيع مواقع الاختناقات فتشمل أقسام الطوارئ وغرف العمليات والمرافق التشخيصية المركزية كالتصوير.(29)

إنّ أيّ شيءٍ يسهّلُ الإنتاجية من خلال تخفيف الاختناقات يضيف قيمةً كامنة إلى النظام، إلا إنّ تحسين كفاءة جزءٍ واحدٍ فقط من النظام قد لا يحسّن الكفاءة الإجمالية، فتخفيف الازدحام في أقسام الطوارئ، على سبيل المثال، يتطلّب استراتيجياتٍ تشمل أقساماً أخرى خارج هذا القسم.(30) وبالتالي، فمن الضروري دراسة سلسلة الإمداد الممتدة ككل مع الأخذ في الحسبان كيفية تأثير التغيير في جزءٍ واحد من العملية على باقي نظام الرعاية الصّحيّة والاجتماعية.

تطبيق هذه المبادئ

هل يمكن حقاً ترجمة هذه الأفكار من البيئات الصناعية إلى تخطيط سعة المستشفيات وتصميمها؟ ورغم أنّ التفكير المقتصد ليس مفهوماً جديداً، فإنّه، وحتى فترة قريبة، لم يُطبّق إلا في نطاقٍ ضيّقٍ في الرعاية الصّحيّة.31،32 نحن نعتقد أنّ الرعاية الصّحيّة لها العديد من الملامح المشتركة مع إنتاج السلع، فالتخطيط التقليدي للمستشفيات وسير العمل فيها يشبهان إلى حدّ ما تنظيم الدفعة والطابور لمصنع من مصانع "ما قبل التفكير المقتصد" مع ترتيب الأجهزة والفعاليات بحسب النوع بدلاً من ترتيبها في سلسلة مطلوبةٍ لإيتاء حصيلة نهائية. يتم تجميع المرضى في دفعات قبل نقلهم، في أغلب الأحيان، لانتظار مرحلة تالية في طابورٍ، ويؤدّي هذا إلى وقت انتظار طويل للتعامل معهم وتكاليف عالية من ناحية المكان والسعة، وكذلك من ناحية الوقت بالنسبة للمرضى.

نحن نحتاج لرؤية المستشفيات كمنشآت صناعات تحويلية معقّدة جدّاً، مع آلاف العمليات المتوازية، والمعقدة والمتشابكة في أغلب الأحيان، بدلاً من رؤيتها كمجرد "مخازن" من خلال مقاربات "عدد الأسرّة" للتخطيط. إنّ التبديد - من ناحية الوقت والمال والتجهيزات والقيمة المعنوية - مشكلة شائعة في الرعاية الصّحيّة،(20) وأحد الأسباب الرئيسية للتبديد هو أنّ "الزبائن" الداخليين (كالأطباء والمستشفيات وشركات التأمين والحكومات والدافعين) قادوا هذه العمليات في أغلب الأحيان. يرى التفكير المقتصد القيمةَ كما عرّفت من ناحية الزبون الأساسي، ألا وهو المريض.(20) عموماً، فالغرض هو إيتاء مستويات عالية من القيمة من خلال أسلوبٍ مرنٍ مُصمّمٍ ليناسب المجموع، بحيث تُؤمَّنُ الخدمات المخصصة من خلال تجميع مجموعةٍ مقيّسةٍ من العمليات. هناك عدّة طرائق لإنجاز هذا، ولكلٍّ منها مقتضياته على تصميم سلسلة الإمداد. وكلها يتطلّب تنبّؤية العمليات وقابلية استبدالها المتسقة.(33)

تحسين تدفق المرضى

أحد المقتضيات الرئيسية لتطبيق نظرية الإدارة على الرعاية الصّحيّة هو الحاجة لفصل المسارات المختلفة للمرضى والعمل والبضائع بما يسمح لكلٍّ منها بالحركة وفقاً لمنطقه الخاص وسرعته. وهذا يعني بالنسبة للمستشفيات أنّ التركيز يجب ألا يكون على الحالات السريرية المتماثلة بل على العمليات المتماثلة.(34) لقد تم فصل المرضى في قسم الطوارئ في إحدى المستشفيات التعليمية في أستراليا إلى مسارين على أساس تعقيد الحالة بدلاً من درجة الإسعافية، وقد خلق هذا مساراً سريعاً للمرضى الذين يمكن معالجتهم وتخريجهم فوراً على وجه التقريب. لقد أدّى النظام الجديد إلى تحسيناتٍ هامّةٍ في عدّةِ مؤشراتِ أداءٍ رئيسة بما في ذلك متوسط زمن الانتظار والمعالجة.(35) أما البرنامج التعاوني للرعاية غير المُجَدْولة في سكوتلندا فأدخل خمسة مسارات، بما في ذلك مسار خارج المستشفى المصمّم لتحسين العمليات في نظم الرعاية الصّحيّة والاجتماعية الأوسع قبل التخريج من قسم الطوارئ وبعده.(36)

إنّ أحد مفاتيح تحسين تدفق المرضى هو تسوية التفاوت في الإشغال بين أوقات الذُّروة والحضيض،(29) وهو ما يمكن إنجازه بإعادة تشكيل الخدمات. مثلاً، التقدّم في التصوير الطبي يسمح باللامركزية على نحو متزايد، وهذا يمكن أن يسهّل التدفق عالي السرعة.(37) التغاير غير العشوائي شائعٌ في الرعاية الانتقائية، إنما يمكن معالجة ذلك بسهولة إذ يمكن، على سبيل المثال، توزيع الجراحة بانتظام بين أيام الأسبوع.(38) وهذا مثالٌ على أن الساعات قد تكون ملائمة أكثر كوحدة تخطيط مقارنة بالأيام.

من الجوهري التعرّف على ما إذا كان الشخص يتعامل مع عمليات مستمرة ("خطّ سريع") أو على دفعات، فالفشل في التمييز بين النوعين يمكن أن يؤدّي إلى وجهة النظر التي مفادها أنّ الطابور ينتج ببساطة عن نقص السعة (من ناحية الأسرّة أو المرافق أو وسائل التشخيص أو الممرضات أو الأطباء).(39) ويمكن توضيح ذلك باستخدام السلالم الآلية الدوّارة والمصاعد في المخازن الكبرى، فالمصاعد أكثر تسبّباً بالطوابير في حالة الازدحام كما هو الحال عندما يتوجب إخلاء المخازن، بينما تكون السلالم الآلية الدوّارة أكثر "رحمةً" في مثل هذه الظروف.

وكما يتضح من هذه الأمثلة، فبينما يُحتمل تماماً أن تكمن المشكلة في نقص الإمداد، ولكن يجب أن يُفهَم كدلالةٍ على طريقة تشكيل الخدمة.(13) مثلاً، أزال قسم التصوير في مركز أمستردام الطبي الأكاديمي الاختناق على تفريسة التَّصْوير المَقْطَعِيّ المُحَوسَب بإجراء فتح الوريد في إحدى غرف التحضير مما زاد الاستخدام من 44% إلى 51%.(29) وهذا يوضّح كيف يمكن لما يبدو أنه تقدّمٌ عشوائيٌّ تقريباً للمرضى أن يحجب المخفيَّ من الاختناقات ومنحنيات وخطوط الارتجاع المتحركة بسرعات مختلفة.(40) وغالباً ما تخفق الاستثمارات في "السعة" في زيادة المُخرج العامّ لأنها لا توجَّه منهجياً نحو الاختناقات الحقيقية.(13) بالمقابل، فقد استطاع مستشفىً للأطفال في ستانفورد، كاليفورنيا، قبول أطفال أكثر بنسبة 7% سنوياً وتحسين رضا المرضى باستخدام أنظمة تدفق المرضى المحسّنة.(41)

فهمٌ جديدٌ للسعة

إنّ لتحسين تدفق المرضى مقتضيات كبرى على فهمنا لسعة المستشفى، فبدلاً من عَدِّ الأسرّة، يمكن أن يبدأ التعريف الجديد للسعة بوصف السُّبُل التي يقطعها المرضى، سواءٌ أكانت في محطات (على دفعات) أو كمسارات، ثم يأتي استعراف تلك العناصر التي يمكن أن تعيق هذه السُّبُل (الاختناقات) والتي قد يكون عددَ الأسرّة أحدها في بعض الحالات، لكنها ستكون في حالات أخرى غرفَ العمليات أو الأدواتِ التشخيصيةَ أو موظّفين اختصاصيين معيّنين – وهي ستعتمد في كلّ حالة على الموقع المعيّن وعلاقته باقتصاد الرعاية الصّحيّة المحليّة. من الضروري تفحّص كيفية تشكيل هذه العناصر ضمن المستشفيات وخارجها مع الأخذ في الحسبان أنّ العديد من السُّبُل ستلتقي في نقاط الاختناقات، كغرف العمليات، قبل الاستمرار نحو طرقها المنفصلة. وبالتالي فمفتاح تخطيط السعة الناجح هو ضمان أنّ كلاً من مسيرات المريض تمر عبر أقصر (أو على الأقل أرخص) سبيلٍ ممكنٍ ضمن الشبكة، مع مصادفة أقل التأخيرات عند نقاط الاختناق ما أمكن ذلك. إنّ لهذه المقاربة مقتضياتٌ رئيسية على تخطيط المستشفى، فبتمييز تلك العمليات التي يفضّل إجراؤها على دفعات عن تلك التي يجب أن تكون كتدفقات مستمرة، من المحتمل وضع نماذج المحاكاة الملائمة التي تؤدي إلى تكامل الطلب على المستشفى والسعة اللازمة لتلبيتها. وعند توليف ذلك مع الفرص التي يمنحها التقدّم في التقانات، كالاختبار "جانب سرير المريض" أو عند نقطة الرعاية والتّطبيب عن بعد، سيُتاح المجال لتحسينٍ هامٍّ في فهم الخيارات المتعلقة بكيفية تقديم الرعاية ومكانه.

المناقشة

إن العديد من التحديات التي وصفناها مألوف لأطباء المستشفيات ومدرائها ومخطّطيها والذي سيدركون تطبيق مبادئ الإدارة في الرعاية الصّحيّة حتى لو لم ينظروا إليها على هذا الأساس. أكثر من ذلك، فالاهتمام الرئيس لهذه المبادئ منصبٌّ على تحسين كفاءة العمليات وليس على تخطيط السعة. فلماذا لا زالت المستشفيات تخطّط على أساس عدد الأسرّة بالدرجة الأولى؟

هناك عدّة عوامل تلعب دوراً في هذا السياق، فقد يكون مخطّطو المستشفى مدركين جيداً لمحدوديات استخدام الأسرّة كقياسٍ للسعة المستقبلية، لكن قد يستخدمونه كاختزالٍ للمساحة (بالأمتار المربّعة) التي يحتاجها كلٌّ من الأقسام المختلفة. فضلاً عن ذلك، وكما هو مذكورٌ أعلاه، فأكثر أنظمة تخطيط السعة ما زالت تركّز على المستشفيات ولا تتضمّن الرعاية الصّحيّة الأولية أو الرعاية الاجتماعية. ولأنّ سُبُل الرعاية تمتلك على الأرجح الأثر الأكبر عند تطبيقها في مختلف مستويات ومواقع الرعاية، فهي تكتسب أهميةً خاصةً في نظم التخطيط المتكاملة. بالإضافة لذلك، فتطوير سُبُل الرعاية عبر النظم الصّحيّة هو في بداياته فقط في العديد من البلدان، وهي مهتمّةٌ عادةً بالأمراض المزمنة، ولا تغطّي حتى الآن عدداً كافياً من الحالات الصّحيّة. في الواقع، يشير "السرير" ضمناً إلى أنّ السعة جردٌ للمرضى، وليس إلى المعاملة المكثفة كثيراً للمرضى والتي هي أكثر تمييزاً لوظيفية المستشفيات الحديثة.ls.

إن طريقة تمويل رأس المال تاريخياً مهمةٌ أيضاً، فالمعتاد هو أنه كان "مجّانياً" حكماً لمزودي الرعاية الصّحيّة في أوروبا. مُوّلت المرافق الجديدة من مكان آخر، كالأموال الحكومية، دون خطر متصاعد على مزوّدي الرعاية الصّحيّة.(42) إلا إنّ ذلك قد تغيّر في العديد من البلدان وأصبحت تكاليف رأس المال تُقيَّدُ على نحو متزايد على تكاليف المخرجات. لا نعتقد بأنّه كان من قبيل المصادفة أن استخدمت المستشفيات المأخوذة في عيّنتنا، ذات التعرّض الأعظم للاختطار، سُبُلَ الرعاية لتخطيط المستشفيات. هذا لا يعني بأنّنا ندعو إلى تسيير المستشفيات من قبل شركات تجارية، إنما إلى حاجة تخطيط المستشفى لضمان قابلية النجاح طويلة المدى للمرافق الجديدة أو المجدّدة؛ أيْ، التوافق بين الوظيفتين السريرية والمالية للمستشفى. ربما يؤمّنُ الاستخدامُ المتزايد للشراكات بين القطاعين العام والخاص لإدارة المستشفيات، بما في ذلك في الدول النامية، حافزاً قوياً لتخطيطٍ وأداءٍ أفضل للمستشفى،(43) وهذا ممكنٌ فقط عندما يتم تفادي مآزق بعض المخططات الحالية.(44)

تبدو سُبُل الرعاية طريقة واعدة لوضع مفهوم سعة المستشفى في ممارسات التخطيط، لكنّها منهجيةٌ تحتاج للمزيد من التطوير، ومن التحديات التي ستواجه ذلك تنظيم سُبُل الرعاية وعددها الكبير ونزعتها للتغيّر، وتكامل العرض والطلب في الرعاية الصّحيّة، وربط الموارد بسُبُل الرعاية.

إنّ مفاهيم مثل "التفكير المقتصد" تعطي أفكاراً من أجل تخطيط تحسين سعة المستشفى من خلال الانتباه إلى تدفقات المرضى، إلا إننا نحذّر من مغبّة التفسير والتنفيذ المتحجِّر لهذه المفاهيم في الرعاية الصّحيّة. غالباً ما يكون التركيز موجهاً بالكفاءة، ويعتمد بشدّة على يقينيّة ضمان تخفيض التكلفة إلى الحدّ الأدنى ويتطلب هندسة الاستقرار في النظام لتجنّب التكاليف الناتجة عن الاضطرابات الحادثة في سلسلة الإمداد. لا يجب تطبيق مبادئ الاقتصاد بحماسة زائدة على حساب القدرة على الاستجابة؛ ففي الحقيقة، قد يكون لبناء سعة احتياطية بسيطة منافع غير متكافئة على فعالية عملية الإيتاء.(45) إنّ استخدام نظرية الإدارة في تخطيط سعة المستشفى يحتاج لمزيدٍ من الاختبار الأكثر صرامة.

أخيراً، وبالرغم من أن تفكير الأنظمة يمكن أن يساعد على توضيح العلاقات البينية الأوسع بين عمليات الرعاية الصّحيّة، يجب اتخاذ الحيطة في كلّ مستوىً من النظام عند دراسة المشاكل أو الحلول. فعند التخطيط لتحسين مرونة اقتصاد الرعاية الصّحيّة المحليّة وتكيّفه، على سبيل المثال، هل يجب استهدافه على مستوى الجناح أم القسم أم المستشفى أم نظام الصحة المحليّ ككل؟

بالرغم من إبعاد الرعاية الصّحيّة على نحو متزايد عن مرافق المستشفى غالية الثمن، يبقى الطلب على المستشفيات الجديدة كبيراً في كافة أرجاء العالم. إنّ إيجاد الطرائق الأفضل لتخطيط سعة المستشفى وتشغيلها ضروريٌّ لإيتاء سعةٍ كافيةٍ بالثمن المناسب لتلبية حاجات الرعاية الصّحيّة المستقبلية.


التمويل:

تشكّلُ هذه الورقة العلمية جزءاً من دراسةٍ أوسع لاستثمار رأس المال الصحي في أوروبا أجراها المرصد الأوروبي للنظم والسياسات الصّحيّة مع الشبكة الأوروبية للملكية الصّحيّة. كما اعتمدت هذه الورقة أيضاً على عملٍ نفّذه مركز بحوث ومبادرات البنية التحتية للصحة والرعاية من مجلس بحوث العلوم الهندسية والفيزيائية.

تضارب المصالح:

لم يصرح بشىء.

المراجع

منبع