شبكة صدي بورسعيد الإخبارية

جستجو

شبكة صدي بورسعيد الإخبارية

  • 928

صدى بورسعيد ـ مصطفى حسين:

ما بين متعجبٍ وحائرٍ، ومؤيدٍ ومعارض، ومتضررٍ ومنفذ، وقفت مشاهدًا.

هناك من تكلم بأنَّ ما يحدث هو التصرف السليم، وأنّه ما يجب أن يكون، وأمرٌ مستحق وإيجابي وفعال، وفي المقابل هناك من وصفه بالطغيان والتعدي والبلطجة.

حملات المرافق بحي الزهور في محافظة بورسعيد، لاسيما على المقاهي العامة، ومطاعم الوجبات السريعة، جميلٌ أن ينفذ القانون، ولكن كيفية تنفيذ القانون، والهدف من تنفيذ القانون، وفاعلية تنفيذ القانون، هذا هو ما يستحق النقاش.

محاولةً لرسم إطار بسيط لهذه الفكرة، سأتناول ما رأيتهُ اليوم من وجهة نظرٍ بسيطة، أو من وجهات نظرٍ عدة مبسطة، وقبل الخوض في وجهات النظر تلك، سأحاول رسم صورةٍ بسيطةٍ لما رأيت.

 

المكان: أمام إحدى المقاهي العامة، ومطعم في شارع جانبي بمنطقة تعاونيات الزهور بمحافظة بورسعيد.

الحدث: حملة مرافق عامة تابعة لحي الزهور تتكون من سيارات نقل عدة وجرافة ترافقهم سيارتين شرطة.

الأشخاص: ضباط وجنود شرطة المرافق، موظفو الحي، قادة المركبات، وعمال النظافة، أصحاب وعمال المقهى، وأخيرًا المجموعة التي أنتمي إليها (المشاهدون).

 

ببساطة كنت ذاهبًا إلى عملي، وفوجئت بحشد كبير من الناس يتجمع حول إحدى المقاهي العمومية، وعلى الرغم من كوني في نهاية الشارع، إلا انني وبمنتهى الوضوح رأيت الجرافة تحمل بعض المتعلقات الخاصة بالمقهى، وتلقي بها فوق إحدى السيارات النقل، وعلى الرغم أنه من المتوقع أن يكون هذا المقهى مستوفٍ للتراخيص كافة، نظراً لكونه من أقدم المقاهي بمنطقة تعاونيات الزهور، والمعروفة ببورسعيد عمومًا، إلا أنَّ ذلك لم يقف عائقًا أمام تنفيذ القانون.

كانت الجرافة تعمل بمنتهى الهدوء والسلاسة، تلقي ما تلقيه فوق سيارة الحي، دون أي مشاكل، أو اعتراض من أصحاب المقهى، وعماله.

ذلك ما رأيت ما بين مروري ببداية الشارع واقترابي من نهايته، حتى وقعت عيني على وقوف أصحاب المقهى وعماله بلا حراك.

 

بدافع الجيرة، قررت الذهاب إلى أحد المحلات المجاورة، ونصحه بالحرص على وجود الأوراق والتراخيص اللازمة، نظرًا لاحتمال توجه تلك الحملة إليه.

وعلى الفور توجهت إلى ذلك المقهى، ووجدت أحد العمال. نبهته لوجود حملة على بُعد شارعين، فأجابني بأنهم يعلمون بموعد الحملة وانهم مستعدون لذلك، أو كما قال “عارفين والحاج مزبط كل حاجة”..

 

بمجرد خروجي من المقهى فوجئت بمركبات شرطة المرافق وسيارات الحي والجرافة أمام المقهى والمطعم، وتحول هدوء العامل الّذي كنت أحدثه قبل نصف دقيقة إلى حالة غريبة من التوتر والانزعاج، حيث فُوجئ بتعليمات شديدة اللهجة من الضباط والموظفين في اتجاهات عدة، وكل تلك التعليمات تهدُف إلى إزالة بعض المتعلقات الخاصة بالمقهى والمطعم.

فُوجئتُ أنا شخصياً من أنَّ أصحاب المقهى والمطعم كان جل همهم أن يقوموا برفع تلك المتعلقات، والعمل على إزالتها يدًا بيد إلى جانب عمال الحي، اللذين هم في الأصل عمال النظافة الذين نادرًا ما نراهم في شارعنا الجميل!!!

 

على الفور شرع عمال الحي وأصحاب وعمال المقهى والمطعم في إزالة بعض الستائر الجلدية التي تحيط جزءًا من المطعم، والذي هو في الأصل جزء من مسقط الخدمات الخاص بالمبنى الذي يقع فيه كل من المطعم والمقهى.

 

بدأ الناس يتكلمون، وهناك من قال بإن المقهى والمطعم ما هما إلا واجهة لتغطية أعمال غير قانونية، وهناك من قال إنَّ “الحكومة تظلم الشعب وتدمر ممتلكاته”، وهناك من جزم بعدم وجود تراخيص للمحل، وأنَّ هناك نزاعًا قضائيًا قائمًا ما بين شركة الغاز الطبيعي وأصحاب المقهى والمطعم في شأن تلك المساحة التي ضموها، وكونها تشكل خطورة لوجود شوايات وقلايات أسماك كبيرة أسفل وحول مواسير الغاز الطبيعي بشكل مباشر.

 

هناك أيضًا من وقف يستغفر الله، ويدعو على الظالمين، وكأنما حلَّت بأهله وبلده مصيبة، وهناك من وقف منتظرًا تحرك سيارات الحملة، لوجود متعلقات خاصة به فوق إحداها، وهناك من وقف يناقش فكرة أنَّ صاحب تلك المحلات سيخسر مبالغًا طائلة نتيجة ما يحدث، وأنه كان من الأولى أن يدفع تلك المبالغ كضريبة أو رسوم ترخيص، وأنه كان من الأجدى أن تقوم الحكومة بتحصيل تلك المبالغ كرسوم تستفيد بها الدولة، وتُبقي علاقتها بالشعب وأصحاب المحال التجارية كعلاقة عملية بحتة، تتمحور حول تحسين الاقتصاد، كبديل لفرض الضرائب الباهظة على الأفراد، والتقصير في مرتبات الموظفين، هادفًا في نقاشه مع صديقه إلى توصيل فكرة أن “الدولة تقوم بتحصيل مبالغ  كبيرة من فقراء هذا الشعب”.

 

وهناك من وقف يشاهد قائد الجرافة متعجبًا لقدراته الخارقة، وتمكنه من إزالة المظلات المحيطة بالمقهى والمطعم بمنتهى الدقة، وكأنما يشاهد علمية قلب مفتوح، وهناك من قام بالتصفير والتصفيق بحرارة، وتشجيع قائد الجرافة على إزالة كل ما يستطيع الوصول إليه، وكأنها حملة انتقامية، جاءت لتحقيق رغبات ذلك المشجع الموتور النفس!!!!

 

ناهيكم عن أحد المخبرين، الذي تناول عصا كانت في يد طفلٍ يلعب، وضرب بها بعض المارة أو الواقفين، فضلاً عن أحد ضباط الشرطة، الذي كان كل كلامه صراخًا، إلا أنَّ ما استرعى انتباهي بشدة، كان تلك الطريقة الودية التي تحدث بها موظفو حي الزهور مع صاحب المقهى، حينما تجمعوا حوله قبل بداية أعمال الإزالة، مما جعلني أتساءل في قرارة نفسي في شأن “الحاج مزبط كل حاجة”، أي نوعٍ من التزبيط كان يتحدث عنه؟؟!!!

 

هل ما حدث أمامي اليوم هو الوضع الصحيح السليم، أم أنه نوع من العبث، أو نظام اللانظام، هل تعدت الحكومة على ممتلكات الشعب، أم أنَّ الشعب نفسه متهور وغير ملتزم؟

وهل نال أصحاب هذه المحلات ما يستحقون جزاءً على مخالفاتهم، أم أنهم ظُلموا وأُهدرت حقوقهم وأموالهم؟ أم أنَّ ما حدث كان مسرحية هزليةً متفق عليها كنوع من التستر على إحدى حالات الفساد؟

وهل كان النقاش الودي ما بين أصحاب المحلات والموظفين عبارة عن مرونة تعامل، وحرص منهم على وصول خدمات الحكومة للشعب بشكلٍ حضاريِ مستنير؟ أم كان ظهورًا علنيًا لفساد قابعٍ وكامنٍ خلف كثير من المكاتب العامة في بلادنا؟

هل من حق المخبر أن يمسك عصا يضرب بها المارة؟ أم أنَّ خطأ المارة أن قبلوا العصا كأحد الخيارات المتاحة؟؟

أهكذا سينضبط هذا الشعب؟ أم أننا شعبٌ ضاعت هويتهُ في خضم بحثه عن لقمة العيش؟

هل تُطبق القوانين في بلدنا بشكل سليم فعال، أم بشكل عقيم وغير مؤثرٍ وضار؟ وهل يراعي واضعو القوانين أحوال الشعب، أم أنهم أو بعضهم في عزلةٍ عن واقع وأحوال هذا الشعب؟

 

Share This:

منبع