جستجو

  • 1441
مع “داود أوغلو” في “ملاطية”، ومع “أردوغان” في “بايبورت”

خاص ترجمة وتحرير – تركيا بوست

نحن نمر بمرحلة صعبة للغاية، في الوقت الذي تتشكل فيه بعض الأشياء في العاصمة أنقرة. ولقد سنحنت لي فرصتان لأفهم ماذا يجري من أحداث، إذ تابعت رئيس الوزراء "أحمد داود أوغلو"، في زيارته لولاية "ملاطية"، بينما تابعت رئيس الدولة "رجب طيب أردوغان"، خلال زيارته لولاية "بايبورت".  

لم تُتح لي فرصة الكلام مع الرئيس "أردوغان" كثيرا، فقد انعقد لقاء قصير بيننا، أما رئيس الوزراء فقد سنحت لي فرصة العودة معه على نفس الطائرة من ولاية "ملاطية"، وتحدثنا أنا وآخرون معه على متن الطائرة.

كما قلت تابعت القائدين في الميدانيين اللذين كان يخطبان فيهما أمام جموع الناس المحبين لهما من الشعب التركي العظيم، وها هي انطباعتي عنهما:  

استطاع رئيس الوزراء، تكوين قاعدة كبيرة له في الشارع التركي. فالشعب قبله واحتضنه كرئيس للوزراء. أما رئيس الدولة "أردوغان"، فله تأثير من نوع آخر على جموع الشعب. فثمة لغة مختلفة تربط الشعب بأردوغان. فلقد عاينت هذا الأمر بعيناي في ميدان مدينة "بايبورت"، فما أن أعلن المذيع في الميدان عن اسم "أردوغان"، وما أن شاهد الجمهور الذي كان ينتظره، مروحيته، إلا وتعالت الهتافات بشكل كبير، وتفاعل الحضور.

وحينما صعد "أردوغان" على المنصة، ليلقي خطبته، شاهدت لافتة معلقة على "قلعة بايبروت"، مكتوب فيها "أنت كالقلعة أيها المعلم".. كانت جملة رائعة بحق لخصت في كلمات معدودات نضال "أردوغان" ومواقفه المختلفة.  

وها هي انطباعاتي:

كان رئيس الدولة، ورئيس الوزراء، غاضبين من مواقف"بي كا كا" وحزب "الشعوب الديمقراطي"، بسبب الأحداث الأخيرة التي قامت بذريعة ما تتعرض له منطقة "كوباني-عين العرب" في سوريا. لكن الرجلين في الوقت ذاته أظهرا نوعا من التأكيد على ضرورة محاسبة المسؤولين والمتورطين في تلك الأحداث.

فلقد كان الرئيس "أردوغان" ينهي كل جملة قائلا: "سنحاسبهم".. ومن الجمل التي قالها "أنتم أمام الجمهورية التركية، وليست جمهورية الموز"، و"تركيا ليست الدولة التي يمكن أن تنصاع لحفنة من متشردي الشوارع".. إذا كان قائل هذه الجمل شخص مثل "أردوغان"، فهذا يعني أن لها بقية وتكملة.  

أُريد أن أعطي فاصلا لرواية انطباعاتي عن كلمة "أردوغان"، وأننتقل إلى ما دار بيني وبين رئيس الوزراء من حديث. لكن دعوني أولا أنقل لكم انطباعا آخرا عن لقاء الرئيس، لقد كانت معنوياته مرتفعة، وحي أهالي مدينة "بايبورت" قائلا: "فلتفرحي يا بايبورت" ليرد عليه الأهالي قائلين: "فتلفرح أنت أيضا يا أردوغان".

في الساعات التي أعلن فيها وزير الدفاع الأمريكي "تشاك هيغل" عن تطلعاته من تركيا، كنت مع رئيس الوزراء "داود أوغلو" في "ملاطية"، كنا 4 أشخاص ممثلين عن العاصمة أنقرة، على متن الطائرة عائدين إلى العاصمة معه، وهنا تحدثنا معه عن عملية السلام الداخلي، فضلا عن الأزمة السورية. واستطعنا من الأجوبة التي تلقينها على أسئلتنا لرئيس الوزراء، ووجهة نظره حيال تلك الأزمات، أن نبلور انطباعا عن المستقبل.

وأقول لكم، إنه بالرغم من احتضان تركيا لمئات الألاف من الأكراد الوافدين من "كوباني"، وبالرغم من الخطوات التي اتخذتها الحكومة التركية بخصوص عملية السلام، وكذلك بالرغم من اللقاءات التي عُقدت مع حزب "الشعوب الديمقراطي"، على مستوى رئيس الوزراء، وعلى مستوى عدد من الوزراء، إلا أن موقف هذا الحزب من الأحداث الأخيرة، أدى إلى حالة كبيرة من عدم الثقة لدى الحكومة.

فلقد قال رئيس الوزراء "داود أوغلو" لنا: "لدى شكوك كبيرة بشأن مدى إخلاصهم". من حقه أن يقول ذلك، ولما لا ؟ فلقد سبق وأن عرض رئيس الوزراء، وعدد من الوزراء خارطة طريق بخصوص عملية السلام، وبالرغم من هذا، استغل "صلاح الدين دميرطاش" الأحداث الأخيرة، وخرج كما تعلمون يدعو للحرب.  وفي الوقت الذي أمر فيه "عبد الله أوجلان" بإقامة نوع من الحوار للخروج من تلك الأحداث، أمر حزب "اتحاد الجماعات الكردية" أوامره بالنزول للشارع. هذا الموقف يعطي انطباعا بوجود حرب لي الأذرع بين جزيرة إيمرالي – وهي الجزيرة المحبوس فيها أوجلان- وبين جبال قنديل، شمال العراق.

وفي الليلة التي أُشعل فيها فتيل الأحداث الدموية قال "جيمل بايك"- الرئيس المشارك لحزب "اتحاد الجماعات الكردية" (KCK): "أوجلان هو من يقرر السلام، ونحن من يقرر الحرب"، كما أن تشيكلات ما يُسمى الحركة الوطنية للشباب الثوري (YPG-H)، قد نشرت تغريدة قالت فيها "حمل السلاح في وجه المحتلين، أمر مشروع".

وهذا يوضح لنا أنه بالرغم من المرحلة التي وصلت إليها عملية السلام، إلا أنه مازالت هناك تشكيلات ترى في تركيا، عدواً محتلاً، تشكيلات تحافظ على وجودها الهيكلي باستمرار، استعدادا لحمل السلاح في أي وقت.  

في الوقت الذي تشكل فيه، أنقرة، خريطة طريق جديدة، توصلت إلى نتيجة مفادها، أن الوضع بخصوص عملية السلام، قبل الأحداث المتعلقة بـ"كوباني"، سيختلف عنه بعدها.

فلقد أوضحت تلك المرحلة، أن "جبال قنديل" ستظل هي كما كانت في سابق عهدها، وكشفت القناع عن الوجه الحقيقي لحزب "الشعوب الديمقراطي"، بعد أن سقط عنه مكياجه الزائف. أفضل عنصر أثبت جدارته في هذه المرحلة، هو "أوجلان" المحبوس في جزيرة "إيمرالي". والسؤال الآن: هل يتعين تعزيز موقف "أوجلان" في مواجهة "جبال قنديل" بخصوص مستقبل عملية السلام ؟

الوضع السوري:

لقد تحدثنا مع رئيس الوزراء، بشكل موسع عن الأزمة السورية، وأول سؤال وجهناه له في هذا الشأن، هو الموضوع الذي أشار إليه وزير الدفاع الأمريكي، الخاص بتدريب المعارضين السوريين المعتدلين. ونحن نسال هذا السؤال كنا متأهبين لنسمع منه رفضا للأمر، لكنه على العكس من ذلك، أكد أن تركيا، منذ البداية وهي تدافع عن هذه المسألة. وقال إن الرئيس التركي، في زيارته الأخيرة كرئيس للوزراء للولايات المتحدة، كان قد ناقش مع الإدارة الأمريكية، مسألة تدريب المعارضين المعتدلين وتزيدهم بالسلاح. ويرى رئيس الوزراء حسب قناعاته، أن السوريين يمكنهم القيام بالعملية البرية، في الوقت الذي يواصل فيه التحالف الدولي عمله من الجو.

وبخصوص دخول تركيا لـ"كوباني" ذكر رئيس الوزراء أنه في حالة دخولنا تلك المنطقة، سنواجه ثلاثة عناصر:

1- داعش

2- عناصر حزب الإتحاد الديمقراطي (PYD)

3- قوات النظام السوري

وكما تعلمون جميعا، أن التاريخ يوضح لنا أن القوى الدولية شجعت الرئيس العراقي الراحل "صدام حسين" على دخول إيران، وقالت له، إنه في غضون شهر واحد سيكون في قلب العاصمة، طهران، وفي النهاية أُنهكت البلدان في حرب استمرت بينهما 8 سنوات. وقامت الولايات المتحدة عقب ذلك، بتشجيعه على غزو الكويت، وقالت له، إنها "لقمة سائغة وسهلة لك"، وبالفعل استطاع "صدام حسين" السيطرة عليها في 24 ساعة، لكن كيف كانت النتيجة النهائية ؟

والآن الإدارة الأمريكية، مصرة على ضرورة قيام تركيا بالدخول البري لسوريا، لكن القائمين على إدارة تركيا، لديهم ذاكرة لازالت تحافظ على حيويتها، ويعرفون جيدا التاريخ وما حدث فيه. والأكثر من ذلك أنهم يعرفون جيدا، أن دخول حرب من طرف واحد، قد يفتح الباب أمام كوارث كبيرة، يعرفون ذلك أفضل مني ومنكم.

الولايات المتحدة تريد استخدام قاعدة "إنجيرليك" العسكرية التركية جنوب البلاد. لكن تركيا ترى أنه من الممكن أن تسمح باستخدامها من أجل المساعدات الإنسانية. هل هناك أكثر من ذلك؟ لا يمكنني الإجابة بالنفي، لا سيما وأن رئيس الوزراء رفض الدخول في كثير من التفاصيل حول هذا الأمر.

عبد القادر سلفي – يني شفق

منبع